ابن قيم الجوزية
195
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
حقيقة التوبة النصوح وهذا يتبين بذكر التوبة النصوح وحقيقتها . قال اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ [ التّحريم : 8 ] فجعل وقاية شر السيئات - وهو تكفيرها - بزوال ما يكره العبد . ودخول الجنات - وهو حصول ما يحب العبد - منوطا بحصول التوبة النصوح . و « النصوح » على وزن فعول المعدول به عن فاعل قصدا للمبالغة . كالشّكور والصبور . وأصل مادة ( ن ص ح ) لخلاص الشيء من الغش والشوائب الغريبة . وهو ملاق في الاشتقاق الأكبر لنصح إذا خلص . فالنصح في التوبة والعبادة والمشورة : تخليصها من كل غش ونقص وفساد . وإيقاعها على أكمل الوجوه . والنصح ضد الغش . وقد اختلفت عبارات السلف عنها . ومرجعها إلى شيء واحد . فقال عمر بن الخطاب ، وأبيّ بن كعب رضي اللّه عنهما : « التوبة النصوح : أن يتوب من الذنب ثم لا يعود إليه ، كما لا يعود اللبن إلى الضّرع » وقال الحسن البصري : « هي أن يكون العبد نادما على ما مضى ، مجمعا على أن لا يعود فيه » وقال الكلبي : « أن يستغفر باللسان ، ويندم بالقلب ، ويمسك بالبدن » وقال سعيد بن المسيب : « توبة نصوحا . تنصحون بها أنفسكم » جعلها بمعنى ناصحة للتائب ، كضروب المعدول . عن ضارب . وأصحاب القول الأول يجعلونها بمعنى المفعول ، أي قد نصح فيها التائب ولم يشبها بغش . فهي إما بمعنى منصوح فيها ، كركوبة وحلوبة ، بمعنى مركوبة ومحلوبة ، أو بمعنى الفاعل . أي ناصحة كخالصة وصادقة . وقال محمد بن كعب القرظي : يجمعها أربعة أشياء : الاستغفار باللسان ، والإقلاع بالأبدان ، وإضمار ترك العود بالجنان ، ومهاجرة سيىء الإخوان . قلت : النصح في التوبة يتضمن ثلاثة أشياء : الأول : تعميم جميع الذنوب واستغراقها بها بحيث لا تدع ذنبا إلا تناولته . والثاني : إجماع العزم والصدق بكليته عليها . بحيث لا يبقى عنده تردد ، ولا تلوّم ولا انتظار . بل يجمع عليها كل إرادته وعزيمته مبادرا بها . الثالث : تخليصها من الشوائب والعلل القادحة في إخلاصها ، ووقوعها لمحض الخوف من اللّه وخشيته ، والرغبة فيما لديه ، والرهبة مما عنده . لا كمن يتوب لحفظ جاهه وحرمته ، ومنصبه ورياسته ، ولحفظ حاله ، أو لحفظ قوته وماله ، أو استدعاء حمد الناس ، أو الهرب من ذمهم ، أو لئلا يتسلط عليه السفهاء ، أو لقضاء نهمته من الدنيا ، أو لإفلاسه وعجزه ، ونحو ذلك من العلل التي تقدح في صحتها وخلوصها للّه عزّ وجلّ . فالأول : يتعلق بما يتوب منه ، والثالث : يتعلق بمن يتوب إليه . والأوسط : يتعلق بذات التائب ونفسه . فنصح التوبة الصدق فيها ، والإخلاص ، وتعميم الذنوب بها . ولا ريب أن هذه التوبة تستلزم الاستغفار وتتضمنه ، وتمحو جميع الذنوب . وهي أكمل ما يكون من التوبة . واللّه المستعان . وعليه التكلان . ولا حول ولا قوة إلا باللّه .